12 يونيو، 2021

خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصية الإمام الصادق(ع) التي توجه بها إلى شيعته: ” يا شيعة آل محمّد، إنّه ليس منّا مَن لم يملك نفسه عند الغضب، ولم يُحسن صحبة مَن صحبه، ومرافقة من رافقه، ومصالحة مَن صالحه، ومخالقة مَن خالقه.. يَا شِيعَةَ آلِ مُحَمَّدٍ، اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ”..

لقد أراد الإمام(ع) من خلال وصيته هذه، أن يبين أن التشيع ليس انتماء لأهل البيت(ع) فحسب، أو حباً لهم، بل يتجلى في السلوك والعمل والموقف، والتي أشار إليها الإمام(ع)..

إننا أحوج ما نكون إلى هذه الصفات والتي بها وحدها نكون زيناً لأئمتنا لا شيناً عليهم، ونكون بها أقوى وأقدر على مواجهات التحديات..

والبداية من لبنان، الذي تتفاقم فيه معاناة اللبنانيين على كل الصعد، ويكفي للتعبير عن ذلك مشهد الإذلال المتكرر لطوابير السيارات التي تصطف أمام محطات المحروقات لتجد ما تستعين به على تأمين حاجاتها من البنزين، وقد لا تجده.. والانقطاع المتزايد في الكهرباء وصولاً إلى العتمة التي يبشر بها اللبنانيون قريباً إن لم تتأمن الاعتمادات اللازمة لها، وفقدان العديد من أصناف الأدوية والمواد الضرورية التي تحتاج إليها المستشفيات والمختبرات، يأتي هذا في وقت يستمر فيه نزيف أموال المودعين من خلال عدم ترشيد الدعم والتهريب الذي لم يوجد حتى الآن له حل..

وهذا يأتي من وقت يستمر فيه تدني سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي والارتفاع المتزايد في أسعار السلع والمواد الغذائية والخدمات.. مما جعل أزمة لبنان وكما جاء في تقرير البنك الدولي من أسوأ ثلاث أزمات عالمية..

ومع الأسف، لم يدفع كل هذا الواقع المأساوي للإسراع في تأليف الحكومة القادرة على إخراج البلد من هذا الواقع الذي لا قدرة لهم على تحمله.. حيث لا تزال أية مبادرة للحل تصطدم بالمصالح الخاصة والفئوية وحسابات المستقبل السياسي لهذا الفريق أو ذاك، وبالتعامل مع تأليف الحكومة من زاوية أنها حكومة انتخابات تحتاج إلى شد العصب في وقت ينبغي أن يكون التأليف لحكومة إنقاذ، مع الأخذ بالاعتبار التداعيات الخطيرة للانهيار الكبير المرتقب إن استمر الواقع على هذه الحال، أو ما قد يحدثه الشحن الطائفي والمذهبي الذي تؤدي إليه البيانات والبيانات المضادة التي تأتي من هذا الفريق أو ذاك على الوضع الداخلي أو على استقرار اللبنانيين في بلدهم وشعورهم بالأمان فيه أو على صورة البلد في الخارج..

إن انسداد الأفق أمام الحلول، وإصرار الأطراف على مطالبهم في تشكيل الحكومة ورفع السقوف العالية يوحي بأن لا نية لدى الأطراف بتأليف الحكومة في الوقت الحالي بل ترقّب لظروف أفضل قد تحملها الأيام القادمة، وما على اللبنانيين إلا الانتظار..

إننا أمام ما يجري نقول لكل من هم معنيون بالتأليف، أنكم لستم أحراراً في مواقفكم، فما تقومون به هو لعب بمصير الإنسان وبلقمة عيشه وبمستقبل هذا البلد ومصيره.. واللبنانيون لن يغفروا لكم ولن يقبلوا أن يستمر هذا اللعب، فالذين لم يناموا على ضيم الاحتلال وقدموا التضحيات لإخراجه، لن يناموا على ضيم الإذلال الذي يعانون منه في كل يوم.. ولن ينجح رهانكم مجدداً على تخويف هذا الشعب من بعضه البعض أو دغدغة غرائزه الطائفية أو المذهبية، فقد بات واعياً لطبيعة اللعبة التي أدمنتموها، لذلك نقول لكم من وحي وجع اللبنانيين وآلامهم ومعاناتهم أن عليكم أن لا تتباطأوا في إيجاد حل والتقاط أي فرصة للحل، والسير بمبادرة رئيس المجلس النيابي والتي أخذت بمضمونها هواجس الجميع ومطالبهم، وإزاحة العقبات التي لا تزال تقف أمامها، وأن تتضافر كل الجهود لإنجاحها، بعدما أصبح واضحاً أنها المبادرة الوحيدة المطروحة في الداخل وانكفاء الخارج..

وعلى الصعيد الفلسطيني، لا يزال الكيان الصهيوني يستمر في اعتداءاته على الفلسطينيين في القدس واقتحامات مستوطنيه للمسجد الأقصى ليحاول أن يفت من عضد الفلسطينيين وأن يفوت عليهم الاستفادة من استثمار إنجازهم الأخير والمراكمة عليه..

إننا على ثقة بأن هذا لن يمنع الفلسطينيين مواصلة الصمود والثبات وفي توحيد صفوفهم لمواجهة غطرسة هذا العدو واستفزازاته.. وهذا يدعو إلى استمرار الوقوف مع هذا الشعب وتأمين كل مستلزمات الصمود له..

ونتوقف أخيراً عند ذكرى وفاة الإمام الخميني رضوان الله عليه، هذا الإمام الذي أعاد الاعتبار لصورة الإسلام المنفتح على العصر وعلى الحياة، ودعا المسلمين إلى الوحدة والأديان إلى التعاون فيما بينها، والمستضعفين إلى أن تتكتل قواهم في مواجهة المستكبرين والظالمين والطغاة..

ونبه العالم العربي والإسلامي إلى مخاطر وجود الكيان الصهيوني في قلبه، ودعاه إلى التوحد في مواجهة هذا الكيان والعمل لإعادة الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه المغتصبة، وأن لا يسمح للاعبين على تمزيقه والعبث بثرواته، وعمل في الوقت نفسه على أن تقف إيران مع كل الشعوب المظلومة والمقهورة رغم الأعباء التي قد تتحملها في سبيل ذلك…

إن هذه الذكرى ستبقى حافزاً لنا للعمل بكل الأهداف التي عمل لها وأن تبقى حاضرة في الوجدان، وهذا هو الوفاء له..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *