12 يونيو، 2021

خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستعيد في هذه الأيّام ما جرى للمسلمين بعد معركة أُحد، حيث تذكر السّيرة أنَّ أبا سفيان، وبعدما غادر أُحد عائداً إلى مكّة منتشياً بنصره وبالثأر من رسول الله(ص) وأصحابه، ندم على تسرّعه، وقرَّر، أن يعود إلى المدينة للانقضاض على المسلمين فيها، مستفيداً من ضعف معنويّاتهم والجراحات التي ألمّت بهم.
يومها، عرف رسول الله (ص) والمسلمون بقرار أبي سفيان، فخرجوا جميعاً لملاقاته والتصدّي لجيشه وحتى الجرحى خرجوا متثاقلين على جراحهم، فلمّا علم أبو سفيان بعزيمة المسلمين وتصميمهم على نصرة دينهم وأن ما حصل في أُحُد لم يفت في عضدهم، قرَّر العدول عن رأيه والمضيّ عائداً إلى مكة.
وقد سجَّل القرآن الكريم هذا العنفوان الَّذي كان المسلمون عليه، فقال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}.
إننا أحوج ما نكون إلى أن نستهدي هذه الآية، بأن نردد عند كل تحد حسبنا الله ونعم الوكيل، لنحظى بنعمة منه وفضل لا يمسنا سوء، وبذلك نكون أقوى وأقدر على مواجهة التحديات..
والبداية من لبنان، الذي كنا ننتظر مع كل اللبنانيين أن يساهم ما صدر عن المجلس النيابي في تحريك ملف تأليف الحكومة اللبنانية، وأن يكون ما صدر تعبيراً عن آمال هذا الشعب، الذي من الواضح أنه لم يعد قادراً على تحمل المزيد من المعاناة والإذلال والقهر الذي بات خبزه اليومي إن على صعيد تأمين الدواء والغذاء أو الكهرباء أو المحروقات أو عدم قدرته على تحمل الارتفاع المتزايد لأسعار السلع والخدمات..
ورغم ما يشاع من أجواء إيجابية من ذلك، لا يزال التصعيد سيد الموقف، حيث بات من الصعب الحديث عن تأليف الحكومة في القريب العاجل وما على اللبنانيين إلا الانتظار، وقد يكون طويلاً..
إننا أمام ذلك، نناشد اللبنانيين ونقول لهم القرار بأيديكم ولا وسيلة لكم للخروج من هذا الانهيار الذي دخل البلد فيه إذا لم يشعر من هم في مواقع المسؤولية أنكم غير راضين عن البقاء على حال المراوحة في تأليف الحكومة أو أن تبقى أسيرة الصراعات والمناكفات والمصالح الخاصة أو الفئوية..
لقد راهنوا ولا يزالون يراهنون على استنفار غرائزكم الطائفية والمذهبية وعلى إقناعكم بأن ما يفعلونه وما يرتكبونه هو لحسابكم ولحساب طوائفكم ومذاهبكم فيما هم يعملون لحساب تثبيت مواقعهم، فلا تدعوهم يستمرون في هذه اللعبة، وأشعروهم أنهم بما يقومون به هم يخربون هذا الوطن ومستقبله بكل طوائفه ومذاهبه ومواقعه السياسية..
بهذا وحده تستطيعون أن تخرجوا من هذا الواقع وإلا ستبقون في حال المراوحة وانتظار مبادرات الداخل والخارج، وهي لن تأتي ودونها عقبات باتت واضحة..
إننا بذلك لا ندعو إلى فوضى أو حراك غير مسؤول، بقدر ما ندعو إلى أن ترتفع أصواتكم ولتقولوا بلسان واحد لكل من هم يعطلون الحكومة، كفى تلاعباً بمصير هذا البلد وناسه، عبروا عن ذلك بإبداء سخطكم وغضبكم وأقلامكم وبمواقفكم.. وأنتم قادرون على تغيير هذا الواقع إن شعر هؤلاء أنهم أمام شعب أخذ قراره ولن يتراجع..
وسنبقى في الوقت نفسه نراهن على صحوة ضمير لمن هم في مواقع المسؤولية في ان يعيدوا النظر في حساباتهم وأن ينظروا ولو لمرة واحدة إلى المصير الذي سيؤول إليه هذا البلد إن استمر الواقع على هذا الحال، كما نراهن على الذين كانوا دوماً صمام أمان ولم يوفروا جهداً لرأب الصدع وحلحلة العقد.
وفي مجال آخر، نحذر من الخطاب الذي يعيد استحضار ما جرى في الحرب الأهلية، مما نريد لها أن تطوى، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التراص والوحدة لمواجهة تحديات الداخل والخارج..
وفي الوقت نفسه ننبه إلى التداعيات التي تنتج عن الاستمرار في تفاقم الوضع الاقتصادي والمعيشي على أمن المجتمع وسلامته، حيث بدأنا نشهد زيادة في منسوب السرقات والجرائم والمشاكل ما يدعو الجميع إلى العمل لمعالجة هذه الأوضاع والحد من تداعياتها السلبية والخطيرة.
وبالانتقال إلى سوريا، فإننا نأمل أن تؤدي الانتخابات الرئاسية الأخيرة في هذا البلد إلى فتح صفحة جديدة تساهم في تعزيز الاستقرار والوحدة وإلى عودة سوريا للعب دورها الريادي على المستوى العربي والإسلامي، وعلى العالم أن يعي أن لا خيار له إلا احترام إرادة الشعب السوري..
ونصل إلى فلسطين الذي مر أسبوع على توقف الهجمة العدوانية الصهيونية على الحجر والبشر فيها، وخصوصاً في قطاع غزة، فبعدما عجز عن تحقيق انتصار مباشر على الفلسطينيين، أخذ يسعى جاهداَ للالتفاف عليهم ومنع الشعب الفلسطيني من استثمار إنجازه بالضغط والتهويل والاعتقال، واستمرار محاولات تدنيسه للمسجد الأقصى وسعيه المستمر لتهجير المقدسيين، للإيحاء بأن زمام الأمور لا يزال بيده وأن شروطه لا تزال هي السارية المفعول.
إننا نثق بأن هذا الشعب الذي هبّ هبة واحدة وتوحّد وجدانياً وميدانياً لن يفسح في المجال مجدداً لمحاولات تمزيقه وتفتيته وإجهاض ما تحقق من إنجازات.
وعلينا جميعاَ كشعوب عربية وإسلامية أن نواكب هذا الشعب وتتضافر جهودنا في مساعدته ومدّه بكل وسائل الصمود حتى يحقق أهدافه وغاياته ويصون حقوقه ويحمي قضيته ويستعيد أرضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *