13 مايو، 2021

كرخانة حرير الوعود وعماد الموت (بقلم بيار بو عاصي)

غالباً ما نرى في قرانا بناءً حجرياً قديماً، مهجوراً، فيه شيء من جمال حزين.

انها الكرخانة.

والكاراخانة بالفارسية تعني المصنع وتحديداً هنا مصنع الحرير.

قطفت جداتنا أوراق التوت وأطعمت دود القز كمصدر رزق متواضع في جبالنا الفقيرة.

اما دود القز فيحيك بلُعابه شرنقةً من حرير ليقضمها ويخرج منها فراشةً حرّة. ولكن أحلام الحريّة لا تنطبق مع حسابات الكرخانة حيث تُقتل الدودة سلقاً في شرنقتها، ويتحول حريرها الى خيط يعبر البحار ليرسو على اجساد فرنسيات انيقات.

شتان ما بين صانع الحرير ولابسه.

الكرخانة مصنع حرير ولكن اسمها عبَر الاجيال حاملاً في طياته حَرَجاً والتباساً.

 في الجذر التركي للكلمة تعني الكرخانة السوق المظلمة. كل ما هو مظلم يصبح ظلاميّاً في المخيلة وما من ظلامية أشد ظلماً من الدعارة بأشكالها.

كانت كرخانات جبالنا تنسج الحرير، فتُلبِسُ الثريات في فرنسا ولا تعرّي الفقيرات في لبنان.

اما الكرخانات بمعناها التركي فلقد انتشرت في مدننا. واستقبلت فيما استقبلت بحّارة مرسيليا وتجار الحرير واحتضنت فيما احتضنت فتياتٌ عالقات في شرنقة الدعارة، أملن الخروج منها كالفراشات، فانتهين محترقات فداءً لخيطِ جشَعٍ ثمين، حاكوه بلعابهن ومُتن فداء عنه.

قلّما زاوج بين الكرخانتين ما زاوجه العهد القوي الذي نسج على امتداد عقود شبكة كرخانات وعودٍ بحياةٍ حريريةِ الملمس.

الظاهرُ حرص على الشرنقة العائلية الآمنة الدافئة،

أما الواقع فهو ساديّةُ قتلِ المواطن كالدودة العاملة الحالمة في مهدها، قبل ان تُعرِّض شرنقته الثمينة للتلف بأسنان الطموح وأجنحة الحريّة.

كرخانته جرن عماد الموت في المياه الحارقة.

في كرخانته كلّ شيءٍ محلّلٌ ومتحلِّل. للأجساد أثمان وللخدمات أثمان وللمؤسسات أثمان وكله إغراء وبيع وشراء.

حرير الوعود كالبغاء، وهمٌ وتسلّط وثراء.

أمّا التحرّر من العبودية فهو قرارٌ وثورةُ حياةٍ ترفض كرخانة جهنّم كوجهة حتميّة ومحطّة نهائية. التحرر مسيرة فرد وجماعة لا تطالبُ بل تنتزع حقّها المقدّس في الكرامة والسعادة وتحقيق الذات.

الحريّة تبدأ بالخروجِ من شرنقة الموت و كرخانة الذلّ إلى رحاب الذات والحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *