16 يونيو، 2021

المتروبوليت عوده صوتٌ صارخ باسم الانسان بقلم: غسان حاصباني

قبل أكثر من أربعين عاماً أقيم سيادة المتروبوليت إلياس عوده الجزيل الاحترام مطراناً على أبرشية بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس. كانت الحرب اللبنانية في ذروتها، القتل والدمار يعمّان المناطق، واللبنانيون مهجّرون من قراهم الى بيروت ومناطق أخرى، والمؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية والكنائس تدمَّر على رؤوس مَن فيها.

 

كنتُ طالباً فتياً في احدى مدارس أبرشية بيروت للروم الأرثوذكس حين فتحت المدرسة ابوابها وصفوفها للنازحين اللبنانيين فصارت منازلهم لسنوات عدة. عملت الكنائس على الاهتمام بالوضع الاجتماعي للعائلات المحتاجة، واستقبل مستشفى القديس جاورجيوس المرضى والمصابين بعد كل انفجار أو قصف على المنطقة.

 

أذكر تماماً يوم قُتل تلميذ في الحادية عشرة من العمر وأصيب كثيرون من جراء سقوط قذيفة في ملعب مدرسة البشارة الأرثوذكسية في الأشرفية خلال استراحة الصباح الأولى، وهُرعوا جميعاً على أيادي المعلمين وسائقي حافلات المدرسة إلى مستشفى القديس جاورجيوس المجاور للعلاج. ولا أنسى القذائف التي سقطت على كنيسة القديس نيقولاوس حيث استُشهد كاهن الرعية الأب المرحوم نقولا بدوي. كنت ابن تلك الرعية وتلميذ تلك المدرسة حيث انطبعت مفاهيم المحبة والإيمان والعدالة وقبول الآخر في ذاكرتي، وامتزجت بروح المثابرة وعدم الاستسلام التي لمستها من خلال أعمال الكنيسة ومؤسساتها.

وعلى رغم كل هذه التحديات التي كانت تجعل استمرار المؤسسات شبه مستحيل، عمل صاحب السيادة مع ابناء أبرشيته على النهوض بالمؤسسات بعد انتهاء الحرب. فعند تسلّمه أوقاف أبرشية بيروت عام 1980، كانت مساحات المؤسسات المبنية حوالى 49,500 متر مربع. بحلول عام 2020، أصبحت 168 ألفاً بعد إعادة بناء الكنائس والمدارس وترميمها وتطوير وتوسيع المستشفى ودُور الراحة والمؤسسات الأخرى.

 

كان بناء الحجر في خدمة البشر، إذ وصل عدد تلامذة المدارس الأرثوذكسية الخمس في بيروت الى 3600 ينتمون الى طوائف ومذاهب مختلفة، وموظفيها الى 770، كما قدم المستشفى خدمات استشفائية لآلاف المرضى من كل المناطق اللبنانية. ومؤخراً، حصلت مطرانية بيروت على ترخيص لإنشاء جامعة القديس جاورجيوس التي ستطلق عملها قريبا لتضاف الى لائحة المؤسسات العريقة التي تعمل على بناء مجتمع سليم.

 

جاء انفجار الرابع من آب في مرفأ بيروت ليدمر جزءاً كبيراً من العاصمة خلال ثوانٍ قليلة، شاء القدر ان يكون الجزء الذي شيدت فيه غالبية هذه المؤسسات ورُممت وأعيد بناؤها بعد الحرب على مدى ثلاثين عاماً. وها نحن اليوم، نشهد على ورشة بناء جديدة، برعاية صاحب السيادة وإشرافه وتنفيذ المؤسسات والجمعيات والكنائس وأبناء الرعايا في أبرشية بيروت، فيعاد بناء مستشفى القديس جاورجيوس بعدما لحقت به أضرار كبيرة من جراء الانفجار فاقت أضرار سنوات الحرب كلها، وترمَّم المدارس والكنائس وبيوت الراحة من جديد، إضافة الى المنازل المتضررة. كما أطلقت المطرانية عبر جمعية القديس بورفيريوس برنامج مساعدات لتلامذة المدارس المتضررة كي لا يتركوا مدارسهم واحياءهم وبيوتهم ويبتعدوا عن كنيستهم، كخطوة إضافية الى برنامج المنح المدرسية الذي كان قائماً خلال العقود السابقة.

 

لكن بالتوازي مع العمل والانجاز بصمت، على مبدأ ألّا تعرف يدك اليسرى ما تقوم به يدك اليمنى، يتكلم اليوم المتروبوليت عوده كما تكلم في كل مرحلة اشتد فيها الخطر على اللبنانيين إنْ كان من الخارج أو من أنفسهم، من منطلق ان أهمية الانسان وعيشه الكريم فوق كل اعتبار.

 

يتكلم في زمن تتداعى فيه الدولة والمؤسسات وتدمر في طريقها الحجر والبشر من جراء الاهمال والتقاعس والفساد والفوضى في الإدارة.

يتكلم عندما يرى أبناء ابرشيته ووطنه يموتون، ومؤسسات كنيسته تدمر، والأطفال يهجرون من مدارسهم والفوضى.

 

يتكلم عندما يرى الضلالة تنتشر بين بعض الحكام والجماعة، وتصرفات خاطئة تحصل يوماً باسم القانون ويوماً باسم الإصلاح ويوماً آخر باسم الدفاع عن الوطن وحقوق المواطنين والطوائف. أما النتيجة فهي جمهورية معزولة دولياً، واقتصاد يجوع فيه الشعب، ومدينة دمرت في ثوان، ووعود غير منجزة لسنوات عدة وملفات تُفتح في الاعلام ولا تصل الى نتيجة، إما لأن لا نية بذلك، وإما لا مضمون حقيقياً فيها.

 

يتكلم عندما تفشل الدولة ويقع حِمْل المجتمع على المؤسسات الخيرية والدينية، والتي من واجب القيّمين عليها أن يخاطبوا الرأي العام وهم يعملون ويملأون الفراغ الذي تركته الدولة المتهاوية.

 

ومع انه يعمل وينجز بصمت، ويعلّم تعاليم الكنيسة، ويسهر على شؤون ابرشيته، فان راعي الأبرشية ليس ناسكاً أو راهباً بل هو مؤتمن على رعيته وأبنائه ومصيرهم، يتعايش مع هموم الناس ويعمل على تشديد ايمانهم والحفاظ على عيشهم الكريم والتنبيه الى الأخطاء المضرّة بهم إنْ صدرت عن جماعات أو أشخاص أو مسؤولين، خصوصاً الذين يزجّون الدين والطوائف في صراعاتهم السياسية ويتعللون بعلل الخطايا، كما يردد المتروبوليت الياس.

 

في قداس الأحد، ومن ضمن الطلبات السماوية التي يتلوها الأسقف أو الكاهن، هناك طلبة لحكام البلد، لكي “يؤازرهم الرب في كل عمل صالح”. لكن هذه المؤازرة لا تشمل الحكام الذين يقومون بعمل غير صالح، لا بل من واجب الكنيسة أن تنبه من هذا العمل إذا خرج عن إطار الصلاح. كما يطلب الأسقف في القداس الاحتفالي من الله قائلا: “يا رب، يا رب اطلع من السماء وانظر وتعهد هذه الكرمة وأصلحها، لأن يمينك غرستها” دلالة على واجب الأسقف ورسالته المرتبطة بإصلاح الكرمة التي غرسها الله.

 

لذلك مهما علت أبواق النشاز وقرقعت طبول التضليل، يبقى صوت الحق هو الأعلى، وواجب الراعي أن يكون صوتاً صارخاً في وجه الخطأ لتصويبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *